الأربعاء، 21 مارس 2018

أراد أحد الأمراء أن يتحقق بنفسه من صحة ما قيل له

أراد أحد الأمراء أن يتحقق بنفسه من صحة ما قيل له، عن وجود قاض عادل في امارته، يشخص الحقيقة في الحال، ولا يستطيع أحد من المحتالين خداعه، فتنكر الأمير في زي تاجر وامتطى جواده متوجها الى المدينة التي فيها القاضي.


وعند مدخل المدينة اقترب منه رجل كسيح يلتمس صدقة فأعطاه ثم واصل طريقه، فاذا الكسيح يتشبث بردائه، التفت التاجر الى الكسيح، وسأله: ما الذي تريده بعد؟ ألم أعطك صدقة؟

قال الكسيح: بلى، ولكن اعمل معي معروفا وخذني الى ساحة المدينة، فأجابه الى طلبه، وأركبه خلفه، وفي الساحة رفض الكسيح النزول عن ظهر الجواد.

فنهره التاجر قائلا: ما الذي يجلسك؟ هيّا انزل لقد وصلنا.

قال الكسيح: ولم النزول والجواد ملكي؟

وعندما اشتد بينهما النقاش تجمع الناس حولهما، واقترحوا عليهما الذهاب الى القاضي.

مضى الاثنان الى القاضي، وكان الناس متجمعين في المحكمة، والحاجب ينادي على المتخاصمين حسب الدور، فاستدعى القاضي نجّارا وسمّانا، كانا يتنازعان نقودا بيد النجار.

قال النجار: اشتريت من هذا الشخص سمنا، وعندما أخرجت محفظتي لأعطيه الثمن اختطفها من يدي محاولا انتزاع النقود، وهكذا جئنا اليك، يده على يدي ومحفظتي، ولكن النقود نقودي.

أما السمان فقال: هذا كذب جاء النجار اليّ ليشتري سمنا وبعد أن ملأت له ابريقا كاملآ طلب مني أن أفك له قطعة ذهبية، فأخرجت المحفظة، ووضعتها على الطاولة فأخذها وأراد الهرب فأمسكت به من يده، وجئت به الى هنا.

صمت القاضي، ثمّ قال: اتركا النقود هنا وتعالا غدآ.

وعندما حان دور التاجر والكسيح قصّ التاجر ما حدث، ثم أشار القاضي للكسيح أن يأتي بحجته.

قال الكسيح: هذا كله كذب كنت ممتطيآ جوادي في ساحة المدينة،رامّا هو فقد كان جالسآ على الأرض فطلب مني أن أحمله، فسمحت له بركوب الجواد، ونقلته الى المكان الذي يرغب، ولكنه لم يرد النزول وادّعى ملكيته للجواد.

فكّر القاضي، ثم قال: اتركا الجواد عندي وتعالا غدآ.

في اليوم التالي اجتمع المتخاصمون للاستماع الى حكم القاضي، فتقدم النجار والسمان أولا لمعرفة الحكم قال القاضي للنجار: النقود ملكك، ثم أشار الى السمان قائلا: أما هذا فاضربوه بالعصا خمسين مرة.

ثم استدعى الحاجب التاجر والكسيح، فوقفا بين يدي القاضي لسماع الحكم سأل القاضي التاجر: هل تستطيع معرفة جوادك من بين عشرين جوادا؟

قال التاجر: نعم.

سأل القاضي الكسيح: وأنت؟

قال الكسيح: نعم.

ثم أخذهما القاضي الى الاسطبل، فأشار التاجر في الحال الى جواده، وقد ميزه من بين عشرين جوادا، وكذلك تعرف الكسيح على الجواد.

عاد القاضي الى مكانه، وقال للتاجر: الجواد جوادك فخذه، أما الكسيح فاضربوه بالعصا خمسين مرة.

بعد انتهاء المحاكمة ذهب القاضي الى بيته فسار التاجر خلفه.

فالتفت القاضي اليه وسأله: ما الذي تريده؟ أم أنك غير راض عن قراري؟

أجاب التاجر: بلى، ولكننّي أردت أن أعلم كيف عرفت أن النقود ملك النجار وليست للسمان، وأن الجواد لي وليس للكسيح؟

قال القاضي: أمّا أمر النجار والسمان، فقد وضعت النقود في قدح من الماء، ثمّ نظرت اليوم صباحا الى القدح لأرى ما اذا كان السمن طافيا على سطح الماء، فلو كانت النقود عائدة للسمان، لكانت ملوثة بيديه الدسمتين، ولطفى السمن في القدح.

وأما معرفة مالك الجواد فكانت أصعب، فالكسيح أشار مثلك في الحال الى الجواد من بين عشرين جوادا، ولكنني لم أقدكما الى الاسطبل لأرى ما اذا كنتما ستتعرفان على الجواد، بل لأرى أيّكما سيتعرّف عليه الجواد عندما اقتربت أنت منه التفت برأسه، ومدّه اليك، وعندما اقترب الكسيح اليه رفع أذنيه وقائمته مستنكرا، وهكذا عرفت أنك صاحب الجواد.

فقال التاجر آنذاك: أنا لست تاجرا، بل أنا أمير البلاد، جئت الى هنا لأعرف حقيقة ما يقال عنك، وها أنا أرى الآن أنك قاض حكيم، فاطلب مني ما شئت لأكافئك به.

قال القاضي: شكرا لك أيها الأمير، فأنا لا أحتاج مكافأة على أداء عملي بصدق واخلاص، قال تعالى {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً}

ليست هناك تعليقات: