الأربعاء، 12 يوليو، 2017

تتوالى الوفودُ لتهنئةِ عُمرَ بنَ عبدِ العزيزِ على تولّيهِ

تتوالى الوفودُ لتهنئةِ عُمرَ بنَ عبدِ العزيزِ على تولّيهِ الخِلافَةِ، ويدخُلُ وفدٌ من الوفودِ يتقدَّمُهُم الناطِقُ الرَّسميُّ باسمِهِ، فيعتَرضُ الخليفَةُ على صِغَرِ سنّهِ فهو غلامٌ في العاشِرةِ ويصطَفُّ وراءَهُ الأشياخُ الكبارُ.


لكنَّهُ سُرعانَ ما سحَبَ اعتراضَهُ عندما ظَهَرَ له رُجحانُ عقلِهِ وحُسنُ منطِقهِ، وطالبَهُ بأن يواصِلَ حديثَهُ الصادِقَ الناصِحَ الذي لم يتملَّقْ فيه كما يصنَعُ الناسُ عادَةً معَ زُعَمائِهِم في المُناسَباتِ المُماثِلَةِ.

لقد صاغَ الغُلامُ عِقْدًا بديعًا من دُرَرِ الكلامِ الحَكيم، نقَلَتْهُ كُتُبُ الرَّقائِقِ والوعظِ والأدَبِ، إلا أنَّ جُملَةً منهُ أثارَتْ مكامِنَ في نفسِ الخَليفَةِ وهَيَّجَتهُ على البُكاءِ، بماءِ الذَّهَبِ يَحِقُّ لها أن تُكتَبَ (يا أميرَ المؤمنينَ لا يَغلِبَنَّ جَهْلُ الناسِ بكَ معرِفَتَكَ بنفسِك).

للهِ دَرُّكَ يا غُلامُ ما أنصَحَكَ لوليّ الأمرِ! وللهِ درُّهُ من وليٍّ صالحٍ يتَّسِعُ صدرُهُ لموعِظةِ غُلامٍ صغيرٍ من رَعِيَّتِهِ، فيُصغي إليها بِكامِلِ وَعيهِ فتذرِفُ لها عيناهُ.

ما أحوجَنا لأن نُسقِطَ تلك الكلِماتِ على أنفُسِنا، لأنَّ ثناءَ الناسِ على شَخصٍ ما ووَصْفِهِ بالديانَةِ والتقوى والصلاحِ هو حُكمٌ ظَنّيٌّ مبنيٌّ على ظاهِرِ حالِهِ المَستور.

أمَّا ما يَعلَمُهُ المَرْءُ عن نفسِهِ وعيوبِها وتقصيرِها فهو عِلمٌ حقيقيٌّ قَطعِيٌّ مبنيٌّ على اليقين، فكيفَ يجوزُُ لِعاقِلٍ أن يُقَدِّمَ ظنَّ غيرِهِ على يقينِ نفسِهِ!!



إنَّهُ الغُرورُ وانخداعُ النَّفسِ بالزورِ والباطِلِ الذي لا يُغني من الله شيئًا يومَ تُبلى السَّرائرُ، هذا ما أبكى الإمامَ العادِلَ والعبدَ الصالحَ، فمتى نبكي لما أبكاه؟!

ليست هناك تعليقات: