الاثنين، 13 فبراير، 2017

يُحْكَى أنَّ الملك الذي كان يحب الأذكياء ويقرِّبهم


يُحْكَى أنَّ الملك الذي كان يحب الأذكياء ويقرِّبهم إليه دائماً، ويسعد بمجالستهم واختبارهم بأسئلته الذكيَّة، كان في أحد الصباحات يتنزَّه مع وزيره في حديقة القصر الواسعة.


فمر ببحرة رائعة تزيِّنها تماثيل أسود يخرج الماء العذبُ من أفواهها بطريقةٍ مُعْجِبَةٍ وساحرة، شعر الملكُ بالعطش وطلب من الوزير أن يسقيه شربة ماء.

فتناول الوزير طاسة فضية كانت على الحافة وملأها، ثم سقى الملك وأعاد الطاسة إلى مكانها، نظر الملك إلى الطاسة بعد أن استقرَّت في مكانها، ثم التفت إلى الوزير وقال: أيّها الوزير! لقد تكلَّمتِ الطاسةُ، فماذا قالت؟

وجمَ الوزيرُ وكسا التعجُّبُ ملامِحَهُ، ولم يدرِ بماذا يجيب فالطَّاسة جماد، ولايمكن لها أن تتكلم، ولكن هل يجرؤ على قول هذا للملك؟

ولمَّا طال صمتُ الوزير ووجومُهُ، صاح به الملك: أُمْهِلُكَ ثلاثة أيام لتأتيني بما تفوَّهت بهِ الطاسة، وإلاَّ نالكَ منِّي عقابٌ قاسٍ!

عاد الوزير إلى بيته مهموماً حزيناً ثم دخل غرفته وأغلق على نفسه بابها وراح يفكِّر ويفكِّر، ولكنه لم يهتدِ إلى حلٍّ أو جوابٍ مقنعٍ، وراح يتساءل: ترى ماذا يقصد الملك بسؤاله؟ هناك جوابٌ ولاشك يدور في خلده ولكن ماهو؟

طالت خلوةُ الوزير في غرفته فقلقت عليهِ ابنته الوحيدة قمر الزمان، فاقتربت من باب الغرفة ونقرت عليه بلطف ثم استأذنت بالدخول، فأذن لها قالت قمر الزمان لأبيها: مضى عليكَ يومان وأنتَ معتكفٌ في غرفتكَ، وأرى الهمَّ واضحاً على وجهكَ، فماذا جرى ياأبي؟

قال الوزير: حدثَ أمرٌ جَلَلٌ يا ابنتي! لقد طرح عليَّ الملكُ سؤالاً صعباً ومستحيلاً، وامهلني ثلاثة أيام لأجيبه عليه، وإلاَّ عاقبني عقاباً قاسياً!

قالت قمر الزمان: وماهو السؤال يا ابي؟

قال الوزير: سَقَيْتُهُ الماء في طاسة، ولمَّا أعدتُ الطَّاسةَ إلى مكانها، قال لي: لقد تكلَّمتِ الطَّاسةُ، فماذا قالت؟

ضحكتْ قمر الزمان وقالت: إنَّه سؤالٌ ذكيٌّ، وجوابُهُ يجب أن يكون ذكيَّاً أيضاً!

صاح الوزير بلهفة: وهل تعرفينَ الجوابَ يا ابنتي؟

قالت قمر الزمان: طبعاً فالطاَّسةُ قالتْ صبرتُ على النَّار، وطَرْقِ المطارِقِ، وبعدها وصلتُ إلى المباسِمِ، وما مِنْ ظالمٍ إلاَّ سَيُبْلَى بِأظْلَم! وعلى الفور لبس الوزير ثيابه وقصد مجلس الملك ثم نقل إليه الجواب كما قالته له ابنته.

أُعجِبَ الملك بالجواب الذي كان أذكى من السؤال، ولكنَّه شكَّ في أن يكون الوزير هو الذي اهتدى إليه وفي صباح اليوم التالي، فاجأ الملكُ الوزيرَ قائلاً: أيُّها الوزير! أريدك أن تأتي إلى مجلسي غداً لاراكِباً ولا ماشياً وإن فشلتَ، فإن عقابكَ سيكون قاسياً، وقاسياً جدَّاً!

صعق الوزير للطلب المُعْجِزِ، وانصرف من مجلس الملكِ مهموماً، وعندما وصل إلى بيته، استنجدَ بابنته قمر الزمان، وحدَّثها عن طلب الملكِ، وطلبَ منها الحل.

ابتسمت قمر الزمان، وقالت لأبيها: وهذا أيضاً حَلُّهُ هَيِّنٌ يا أبي!

وفي صباح اليوم التالي، أَحْضَرَتْ قمرُ الزمان لأبيها دابَّةً صغيرةً، فركب عليها، وذهب إلى قصر الملكِ، وهو راكب على الدَّابةِ، وقدماه على الأرض.

ذهلَ الملكُ لِحُسْنِ تصرُّفِ الوزيرِ ودَهاءِ حَلِّهِ، فأدناهُ منهُ، وهمسَ له: قُلْ لِي مَنْ يقولُ لكَ ذلكَ ولكَ الأمان!

قال الوزير: إنَّها ابنتي قمر الزمان يامولاي!

قال الملك: أحضِرها لي في الحال!

ولما مثلت قمر الزمان بين يديِّ الملك، أعجبه جمالها ولكنَّ ذلكَ لم يثنهِ عن اختبارها في سؤالٍ مُعْجِزٍ، تكون الإجابةُ عليهِ مستحيلة قال الملك: سأتزوَّجكِ الليلةَ ياقمر الزمان، وأريدكِ أن تحملي منِّي في الفورِ، وأن تَلِدِي الليلةَ ولداً يكبرُ في ساعات، ويغدو في الصباحِ ملِكاً يجلس على عرشي!

ابتسمت قمر الزمان، وقالت: أمركَ يامولاي!

واقتربت من النافذة المطلَّة على جزء كبير من الحديقة لازرع فيه، ثمَّ التفتتْ إلى الملكِ، وقالت: أريدُكَ يامولايَ أن تحرثَ هذه الأرض الليلة، وتزرعها الليلة، وتقطف الزرع الليلة، وآكل من ثمارها في الصَّبح!

ذهل الملكُ، ونهض صائحاً: هذا غير معقول!

قالت قمر الزمان: كيف تريدني إذن أن أُنْجِبَ لكَ ولداً الليلة، ويكبر في ساعات، ويغدو في الصباح ملكاً؟!

سُرَّ الملكُ من جواب قمر الزمان، ثمَّ عقد قِرانه عليها، وأصبحت ملكة إلى جواره، وعاشا معاً حياةً هانئةً سعيدة.

ليست هناك تعليقات: