الثلاثاء، 17 مايو 2016

كنت عائداً بسيارتي من أمريكا إلى كندا حيث إقامتي


كنت عائداً بسيارتي من أمريكا إلى كندا حيث إقامتي، وعلى الحدود أعطيت جواز سفري الكندي إلى الموظفة ففتحته وقرأت مكان الولادة العراق، فقالت: كيف العراق؟ فقلت بخير، ونرجو الله أن يبقى بخير.


منذ متى وأنت تعيش في كندا؟ أنهيت لتوي السنة العاشرة.

متى زرت العراق آخر مرة؟ منذ ثلاثة أعوام.

فنظرت إلي وهي تبتسم وسألتني: من تحب أكثر العراق أم كندا؟

فقلت لها: الفرق عندي بين العراق وكندا كالفرق بين الأم والزوجة، فالزوجة أختارها، أرغب بجمالها، أحبها، أعشقها، لكن لا يمكن أن تنسيني أمي.

الأم لا أختارها ولكني أجد نفسي ملكها، لا أرتاح الا في أحضانها، ولا أبكي إلا على صدرها، وأرجو الله ألا أموت إلا على ترابٍ تحت قدميها.

فأغلقت جواز السفر ونظرت إلي باستغراب وقالت : نسمعُ عن ضيق العيش فيها فلماذا تحب العراق؟

قلت: تقصدين أمي؟

فابتسمت وقالت: لتكن أمك.

فقلت: قد لا تملك أمي ثمن الدواء ولا أجرة الطبيب، لكن حنان أحضانها وهي تضمني ولهفة قلبها حين أكون بين يديها تشفيني .

قالت: صف لي بلدك.

فقلت: هي ليست بالشقراء الجميلة، لكنك ترتاحين اذا رأيت وجهها، ليست بذات العيون الزرقاء، لكنك تشعرين بالطمأنينة اذا نظرت اليها، ثيابها بسيطة، لكنها تحمل في ثناياها الطيبة والرحمة، لا تتزين بالذهب والفضة، لكن في عنقها عقداً من سنابل القمح تطعم به كل جائع، سرقها اللصوص ولكنها ما زالت تبتسم!

أعادت إلي جواز السفر وقالت : أرى العراق على التلفاز ولكني لا أرى ما وصفت لي!

فقلت لها: أنت رأيت العراق اللذي على الخريطة ، أما أنا فأتحدث عن العراق الذي يقع في أحشاء قلبي.

أرجو أن يكون وفاؤك لكندا مثل وفائك للعراق، أقصد وفاؤك لزوجتك مثل وفائك لوالدتك.

فقلت لها: بيني وبين كندا وفاءٌ وعهد، ولست بالذي لا يفي عهده، وحبذا لو علمتِ أن هذا الوفاء هو ما علمتني إياه أمي.

ليست هناك تعليقات: